جاء أخي الكبير مرة يحدثنا عن موقف غريب قابل فيه شخصًا قديمًا جدًا لم يكن يتوقع رؤيته. وأثناء حديثه عنه قال إنه عرفني ولم أعرفه، وقبل أن ينهي كلامه قلت له: صديقك فلان من الثانوية؟، ذهل أخي: كيف تذكرتيه؟ وهو نفسه لم يتذكره حتى وهو واقف أمامه.
لا أعلم كيف تذكرته، فعندما كان أخي في الثانوية كنت أنا في الابتدائية، لكن ما زلت أتذكر صديقه، وأتذكر أنه من مدينة ينبع، وأنه علّم أخي الأغاني الينبعاوية، وكانت صباحيات طريق المدرسة تصدح بأغاني أبو سراج وسائر الفرق الشعبية.
ومرة سألت أختي عن صديقتها فلانة الفلاني من الابتدائية، فقالت إنها لا تعرف فتاة بهذا الاسم. فذكرتها بالموقف الذي قابلناها فيه صدفة عند طبيب الأسنان، فأنكرت معرفتها، ثم تذكرتها بعد مدة، وحذرتها من التشكيك بذاكرتي مرة أخرى.
والأمر نفسه يحدث مع صديقاتي من الابتدائية. أتذكر أسماء الطالبات والمعلمات، وصفاتهن، ومختلف المواقف والقصص، وغالبًا ما يفشلن هن في تذكرها.
أتذكر كثيرًا من الأشياء، من الماضي السحيق إلى ما قبل يومين، حتى تلك المواقف المحرجة التي يسلي الإنسان نفسه بأن الجميع قد نسيها، فأكون أنا الشخص الذي ما زال يتذكرها.
ولعل أكثر ما اكتشفته عن نفسي أنني أربط بين التذكر والاهتمام. فحين أتذكر أسماء الناس وقصصهم وتفاصيل حياتهم، فإن ذلك بالنسبة لي صورة من صور الاهتمام، ولذلك كنت أشعر بالإحباط حين ينسى من حولي ما سبق أن أخبرتهم به، وأفسر نسيانهم على أنه قلة اهتمام.
وكذلك الحال مع الأسئلة. فعندما أهتم بشخص أو موضوع، أجد نفسي أطرح الكثير من الأسئلة، لأن الأسئلة بالنسبة لي علامة على الانخراط والاهتمام. ولذلك أميل تلقائيًا إلى تفسير كثرة الأسئلة من الآخرين على أنها تعبير عن الاهتمام أيضًا.
لكن مع الوقت أدركت أن الناس لا يعبرون عن اهتمامهم بالطريقة نفسها. فما أراه أنا علامة على الاهتمام، قد لا يكون كذلك عند غيري، والعكس صحيح. فهناك من يهتم لكنه لا يتذكر التفاصيل، وهناك من ينصت ويحب لكنه لا يكثر الأسئلة.
ومن الأشياء التي لاحظتها أيضًا أنني عندما أهتم بشخص أو موضوع، فإنني لا أكتفي بالمعلومة المجردة، بل أبحث عن السياق الكامل. فإذا حدثتني صديقة عن أختها أو أخيها، سألت عن أسمائهم، لأنني أحب أن أربط الأشخاص ببعضهم، والأحداث بأصحابها، والمواقف بسياقها. ويبدو أن هذه الطريقة في الربط هي جزء مما يجعل ذاكرتي تعمل بهذه الصورة.
ويستفزني حقيقةً ضعف ذاكرة من حولي، ولو أني أحاول عذرهم، لكنه يظل مخيبًا للأمل حين أتذكر أنا كل شيء، بينما لا يتذكر الآخرون عني شيئًا.
فتساءلت: ما سر قوة ذاكرتي؟ لا يبدو أنني أفعل شيئًا لا يفعله غيري، وهل لأحلامي الكثيرة علاقة بذلك؟ فأنا لا أنام ساعة إلا وكانت مليئة بالأحلام والذكريات والأشخاص والأحداث.
فقررت أن أقرأ أكثر في الموضوع وأشارككم ما تعلمته، ولا أدّعي امتلاكي وصفة سحرية أو سرًا خفيًا لتقوية ذاكرتكم.
علميًا، هناك نوعان رئيسيان من الذاكرة التصريحية:
١- الذاكرة الدلالية أو المعرفية (Semantic Memory)
وهي ذاكرة الحقائق والمفاهيم والمعلومات العامة، ويمكن اختصارها بالسؤال: ماذا أعرف؟
فمعرفتي بعواصم الدول، أو أسماء الأشخاص، أو المعلومات التي أدرسها، كلها تدخل ضمن هذا النوع.
٢- الذاكرة الحدثية أو العرضية (Episodic Memory)
وهي ذاكرة التجارب والأحداث الشخصية المرتبطة بزمان ومكان معينين، ويمكن اختصارها بالسؤال: ماذا حدث لي؟
فالمواقف التي عشتها، والقصص التي سمعتها، وذكريات الطفولة والدراسة، كلها تنتمي إلى هذا النوع.
ويبدو أن النوعين يعملان معًا لدي، فأنا أتذكر الأسماء وأربطها بالأحداث والأماكن والأشخاص، فأبني شبكة مترابطة من الذكريات.
وأحب كثيرًا أن أجلس مع نفسي وأسترجع الماضي، أعود إلى أيام المدرسة وأحاول تسمية زميلات الفصل والمعلمات، وأستذكر مع صديقاتي وأهلي، وأحتفظ بالرسائل والمحادثات والصور والأشياء المادية التي تعيد إلي الذكريات. ولذلك أشعر أن ذاكرتي لا تتوقف عن العمل.
لكن ما علاقة الأحلام بالذاكرة؟
تشير الدراسات الحديثة إلى أن النوم ليس مجرد فترة راحة، بل تحدث خلاله عملية (ترسيخ الذاكرة) (Memory Consolidation)، حيث يعيد الدماغ تنظيم الذكريات وتقويتها وربط المعلومات الجديدة بالمعرفة القديمة.
وهناك مرحلتان أساسيتان للنوم:
النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة (NREM)، وخاصة النوم العميق، ويسهم في ترسيخ الذكريات الحدثية والحقائق، وتكون الأحلام خلاله أكثر واقعية وترابطًا.
أما نوم حركة العين السريعة (REM)، فيرتبط بمعالجة المشاعر، وبعض أنواع الذاكرة الإجرائية والعاطفية، وتكون الأحلام خلاله أكثر غرابة وعاطفية.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن الأحلام هي مزيج من ذكريات حديثة وأخرى قديمة ومعرفة سابقة ومشاعر مختلفة، يعيد الدماغ تركيبها بطرق جديدة. ولهذا قد يظهر في حلم واحد شخص من الطفولة، وموقف حدث بالأمس، ومكان من المرحلة الثانوية، ومشاعر نعيشها اليوم.
ومع أن كثرة الأحلام جعلتني أتساءل عن علاقتها بذاكرتي، فإن الدراسات تشير إلى أن كثرة الأحلام لا تعني بالضرورة قوة الذاكرة.
فقد يكون الشخص: كثير الأحلام وأحلامه عاطفية ومتكررة، ويتذكرها جيدًا. ومع ذلك يعاني من ضعف في الانتباه أو في ترميز المعلومات أو استرجاعها، وبالتالي تكون ذاكرته اليومية ضعيفة.
فالأحلام الكثيرة لا تعني بالضرورة ذاكرة قوية، قد تعكس ببساطة نشاطًا عاطفيًا مرتفعًا، أو كثرة نوم حركة العين السريعة (REM)، أو مجرد قدرة أفضل على تذكر الأحلام.
ولعل ما يميز حالتي ليس كثرة الأحلام وحدها، بل اجتماعها مع ذاكرة دلالية جيدة، وذاكرة حدثية قوية، وعادة مستمرة من الاسترجاع والربط بين المعلومات.
وبعبارة أخرى، قد يكون الناس يحلمون بالقدر نفسه الذي أحلم به، لكنهم لا يتذكرون أحلامهم، وقد يحلم بعضهم أكثر مني ومع ذلك تكون ذاكرتهم اليومية أضعف. ولذلك لا يمكن اعتبار كثرة الأحلام دليلًا على قوة الذاكرة في حد ذاتها.
ومن الطريف أنني عندما استخدمت ساعة Fitbit لمراقبة نومي، لاحظت أن نسبة نوم حركة العين السريعة REM عندي مرتفعة نسبيًا، رغم سوء جدول نومي.
وعندما قرأت أكثر عن طرق التعلم، اكتشفت أن الطريقة الأقرب لطريقة عمل ذهني هي: الربط، ثم الاسترجاع، ثم المراجعة المتباعدة، ثم إعادة الاسترجاع.
فأنا بطبيعتي لا أحفظ المعلومات منفصلة، بل أربط كل معلومة بمعلومة أخرى، ثم أعود لاستحضارها مرارًا، سواء بالحديث مع الآخرين أو بالجلوس مع نفسي واسترجاع الماضي، أو حتى بمحاولة تسمية زميلات الفصل ومعلماتي القدامى. ولعل هذا التمرين المستمر لذاكرتي، مع حبي لألعاب العقل والذاكرة، هو أحد الأسباب التي ساعدت على بقاء كثير من المعلومات والأسماء حاضرة في ذهني.
ومع ذلك، فإني أنسى كغيري من البشر، خصوصًا الأشياء التي لا أوليها اهتمامًا كبيرًا.
ولذلك أبتكر أحيانًا طرقًا غريبة للتذكر. ففي أحد الفنادق كنت متأكدة أنني سأنسى غرضًا مهمًا لأنني وضعته في مكان غير معتاد، فتساءلت: كيف سأذكر نفسي به عند مغادرة الغرفة؟
نظرت إلى علبة الدواء الموضوعة بجانب السرير، فقلبتها رأسًا على عقب، وقلت لنفسي: عندما أراها مقلوبة سأتساءل لماذا هي كذلك، وسأتذكر الغرض الذي لا أريد نسيانه. قد تبدو طريقة سخيفة، لكنها نجحت.
وكذلك أستخدم تقويم جوجل لتسجيل المواعيد والاختبارات والأحداث المهمة، لأن خيالي البصري ضعيف، وأحتاج أن أرى الأيام والأسابيع مرتبة أمامي حتى تترسخ في ذهني.
قد تكون ذاكرتي القوية نعمة في حين، ونقمة في حين آخر، لكن المؤكد أنني أحبها، وأعدّها جزءًا أصيلًا من شخصيتي، ولا أتقبل أي تشكيك فيها.
وفي النهاية، كما ذكرت، لا أزعم أن في هذا المقال طريقة مثلى لتقوية الذاكرة، ولا وصفة سحرية تصلح للجميع، وإنما أشارككم قراءاتي وتحليلاتي الخاصة، التي قد لا تنطبق عليكم بالضرورة، لكنها قد تساعدكم على فهم طريقة تفكيركم، لأن معرفة الكيفية التي نتذكر بها لا تقل أهمية عن محاولة تقوية ذاكرتنا نفسها.
فربما لم أصل إلى جواب قاطع لسؤالي: لماذا أتذكر وينسى الآخرون؟ لكنني خرجت بفهم أعمق لذاكرتي وطريقة تفكيري، وباقتناع أكبر أن الناس لا يتذكرون ولا يفكرون بالطريقة نفسها، وأن لكل عقل طريقته الخاصة في حفظ العالم واستعادته.
المصادر:
Wamsley, E. J. (2011). Memory, Sleep and Dreaming: Experiencing Consolidation. Sleep Medicine Clinics, 6(1), 97–108.
Payne, J. D., & Nadel, L. (2004). Sleep, dreams, and memory consolidation: The role of the stress hormone cortisol. Learning & Memory, 11(6), 671–678.
Siclari, F., Bernardi, G., Cataldi, J., & Tononi, G. (2024). Memory Updating in Dreams. Sleep Advances, 5(1), zpae096.
Image credit: Chema Mendez (mendezmendez.com).


طلعت مو بس انا لي عندي مثل هاد الحالة! والله زيك لدرجة وصلت لفكرة يمكن عندي توحد مدري ، كنت اشوف نفسي الوحيدة لي تتفكر مرات كل اخواتي ما يتفكرون بس انا!! و انا متأكدة من الحدث او الشخص و التفاصيل و زي لي قلتي اتفكر اسامي و ميزات هاد الأشخاص . بس شي لي صرت اعاني منه هو الفرق بين الاهتمام و عدم الاهتمام اقصد غيري لي ما يتفكرو
أستمتعت بقراءة المقال.
انا لدي ذاكرة "سمكية" كما احب تسميتها،
انقذت نفسي بالتدوين اليوميات، حتى احلامي أدونها.