في إحدى عصريات الخريف بمدينة ميونخ، تحديدًا في الأول من نوفمبر، كنت أتجول وحيدة. كل شيء كان مغلقًا ذلك اليوم لموافقته عطلة “يوم جميع القديسين”. وبينما أسير بلا هدف، لمحت من بعيد حديقة، وكعادتي دائمًا، يجذبني أي مشهد للطبيعة. إن أضعتني، فابحث عني في أقرب حديقة أو غابة.
دخلت الحديقة بهدوء، أو هكذا ظننت. كان المشهد يوحي بالحياة، أطفال في عرباتهم، طفل يقود دراجته الصغيرة، وحتى الكلاب تتجول مع أصحابها. الجو بدا غريبًا، وكأن شيئًا ما لا ينتمي، ومع ذلك لم أدركه فورًا. من بعيد، لاحظت أضواء شموع متقدة، تزداد وضوحًا كلما اقتربت. وعندما وصلت، فوجئت بتمثال صليب ضخم تحيط به الشموع المضاءة. عندها فقط أدركت أنني لست في حديقة… بل في مقبرة!
ضحكت من سذاجتي وظني أنني أتجول في منتزه، لكنني لم ألوم نفسي، فحتى الأطفال والكلاب هنا يمرحون وكأنهم في نزهة عادية! بالنسبة لي، القادمة من ثقافة ترى المقبرة مكانًا للرهبة والخشوع، بدا الأمر صادمًا. لم أكن أعلم أن زيارة المقابر وإضاءة الشموع طقس شائع لديهم في يوم جميع القديسين، حتى قرأت ذلك سريعًا على محرك البحث.
رجعت أنظر إلى ذلك الصليب الكبير، أمامه وقفت عائلة صغيرة بنظرة مهيبة. الأب كان يحتضن الأم، ويميل برأسه على كتفها، بينما طفلهما يدور بدراجته الصغيرة حولهما. كانت لقطة تحمل مزيجًا من الدفء والحزن، فالتقطت لهم صورة التقطتها بعيني قبل عدستي.
أكملت سيري بين القبور. لاحظت أن كثيرًا منها يعود للقرن الثامن عشر، تملؤها التماثيل والصور والعبارات المنقوشة، وبعضها يزدان بالورود والنباتات التي تبدو جديدة، وكأن أصحابها لم يغادروا الحياة منذ زمن بعيد.
وقفت أمام أحد القبور أتأمل. ترى، ما حال من يرقدون هنا؟ هل مضت عليهم سنوات العذاب أم النعيم؟ هل يرددون في خلوتهم الأبدية: “ربّ ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت”؟ الموت يحافظ على هيبته مهما اختلفت الثقافات، لكنه هنا بدا لي مشهدًا غريبًا؛ أن تختلط الحياة بالموت بهذا الشكل، أن يُمارس الحزن جنبًا إلى جنب مع ضحكات الأطفال ونباح الكلاب.
خرجت من هناك وأنا أحمل مزيجًا من الرهبة والدهشة… وشيئًا من الامتهان لفكرة أن المقابر يمكن أن تكون أيضًا متنزهًا.




🩷🩷
أذهلني ما قرأت.