يتغزّل شعراء العرب بجسد المرأة بصورة خيالية: خصرٌ نحيل للغاية، وامتلاءاتٌ في أماكن معيّنة، وكأن المرأة تملك القدرة على توزيع الدهون في جسدها كما تشاء. لكن، ماذا لو استطاعت؟
اليوم، أصبح بالإمكان تحقيق هذه الصورة يمكنكِ شفط الدهون من منطقة وحقنها في أخرى بكل سهولة. وبينما تبدو هذه الخيارات مغرية، إلا أنها تفتح بابًا لسؤال أعمق: من الذي رسم هذه الصورة “المثالية”؟ وهل نختارها حقًا بإرادتنا، أم أن المجتمع جعلنا نشعر أنه لا خيار أمامنا سواها؟
في زمننا هذا، تكاد لا تخلو وجوه الفتيات من فيلر الشفاه، سواء في الواقع أو على وسائل التواصل الاجتماعي. تقضي الكثير منهن ساعات طويلة بين عيادات التجميل، والليزر، والعناية بالبشرة، وتُزجّ أحيانًا في هذه الدوامة حتى قبل بلوغ العشرين. يُقاس جمال الفتاة اليوم بمقتنياتها من الشنط الفاخرة والمكياج الغالي، لا بما تحبّه أو تختاره لنفسها.
أتذكر كيف حاول كثيرون من حولي إقناعي بإجراء فيلر لشفتاي، حتى أن أختي ذات مرة عرضت أن تدفع التكلفة كاملة بحجة أني “سأصبح أجمل”. لكنني كنت أرد دائمًا بأن هذه الضغوط ناتجة عن معايير جمالية مصطنعة، وتأثير غربي، ونزعة استهلاكية تتغذى على عدم الرضا عن الذات. وفي كل مرة كانت ترد عليّ ضجرة: “خلاص، صدعتي راسي، سوي اللي تبين.”
ثم لنسأل سؤالًا بسيطًا: ما مدة بقاء الفيلر في الشفاه؟
الإجابة الشائعة: بضعة أشهر فقط، ثم “يذوب”. لكن الواقع أكثر تعقيدًا، لأن اختفاء الفيلر من مظهر الشفاه لا يعني بالضرورة أنه خرج من الجسم تمامًا.
وهنا تبدأ المفارقة:
هل عليّ أن أستمر في إعادة الحقن كل عدة أشهر؟
هل يُفترض بي أن أدفع نفس المبلغ مرارًا وتكرارًا لمجرد أنني بدأت؟
وإن لم يذُب الفيلر فعلًا وبقي في جسدي، فالمصيبة أعظم!
وما هو أخطر من ذلك هو الاعتمادية النفسية التي قد تنشأ من هذه الإجراءات. حين ترتبط ثقتي بنفسي أو إحساسي بجمالي بنتيجة مؤقتة، أبدأ بالشعور أن شكلي الطبيعي لم يعد كافيًا. أتوتر عندما يزول تأثير الفيلر، وأشعر بالحاجة الملحة لتكراره “علشان أرجع مثل أول”.
تتحول هذه الممارسة من خيار حر إلى عادة قهرية، ومن تجربة تجميلية إلى احتياج نفسي غير واعٍ، تغذيه معايير جمال غير واقعية، ومقارنات لا تنتهي.
بل وحتى أطباء التجميل أنفسهم بدأوا يلاحظون هذه الإشكالية. في استشارة موجّهة لأحد المتخصصين في الأخلاقيات الطبية، كتب طبيب قلق:
“لدي مريضة تطلب بانتظام علاجات الفيلر والبوتوكس، على الرغم من أن حاجتها الجمالية ضئيلة. تطلب زيارات متكررة، وتُبدي عدم رضا مستمر عن النتائج. تصرّ المريضة على أنها ليست ‘مدمنة’، بل إنها ببساطة تحافظ على المظهر الذي ترغب فيه. كيف يمكنني التعامل مع حالتها أخلاقيًا، بحيث أوازن بين احترام استقلاليتها كمريضة، وفي الوقت نفسه أقيها من الضرر النفسي؟”
هذا النوع من القلق الطبي يعكس حقيقة واضحة: المشكلة لم تعد جمالية فقط، بل نفسية واجتماعية وأخلاقية، وتتطلب منا وعيًا جماعيًا أعمق.
وفي دراسة أجراها باحثون سعوديون، شملت عينة من نساء سعوديات شابات ومتعلمات، أفادت 50.1٪ منهن أنهن يفكرن في الخضوع لعمليات تجميل. وعلى الرغم من أن مستوى الرضا عن الشكل كان متوسطًا، إلا أن كثيرًا منهن أشرن إلى تعرضهن لضغوط اجتماعية، وكان للعائلة والأصدقاء تأثير معتدل على قراراتهن. اللافت أن ارتفاع المستوى التعليمي ارتبط بانخفاض الرغبة في التجميل، كما أظهرت النساء العاملات ميلاً أقل لهذه الإجراءات. وأشارت الدراسة إلى أن التوجه نحو التجميل يرتبط غالبًا بالرغبة في التوافق مع معايير الجمال، والحصول على القبول المجتمعي والتقدير الخارجي، إضافةً إلى تأثير وسائل الإعلام والمقارنات الاجتماعية.
أتذكر أيضًا نقاشًا دار بيني وبين إحدى الصديقات في محل للمكياج. كانت تتذمر من شكل شفتاها، فسألتها: “هل تخططين لعمل فيلر؟” قالت بحماس: “طبعًا! أول شيء بسويه إذا توظفت. وأنتِ؟” أجبتها: “لا، مستحيل، لأنه ضد قناعاتي.” فردّت بثقة: “راح تغيّرين رأيك”.
مرت أربع سنوات، وتوظفت الصديقة فعلًا. رأيتها مؤخرًا على أحد برامج التواصل، وكانت تظهر بصورة جديدة، وبدت شفتاها مختلفتان. سألتها: “سويتي فيلر؟” ضحكت وقالت: “إييه من زمان! توّك تلاحظين؟”
حققت الصديقة مبتغاها، وما زلت أنا صامدة على رأيي.
يُفرض على الفتيات هذا الضغط النفسي منذ عمر صغير. وأسوَؤه ربط الجمال بالنظافة. فرغم أنني لا أحب مظهر الشعر في اليدين أو الساقين، إلا أنني أرفض الفكرة التي تجعل إزالة الشعر شرطًا للنظافة الشخصية (باستثناء ما هو موصى به دينيًا لكلا الجنسين). لماذا لا تشعر الفتاة أن أظافرها نظيفة إلا بعد المانيكير والبديكير؟
ناهيك عن الضغط المبالغ فيه على العرائس: كيف تكونين عروسًا ولم تفعلي “الهيدرافيشل، الليزر، الميزو، التقشير، التوريد، المايكروبليدنق، الديرمابن…”؟ في المقابل، كل ما يُطلب من العريس غالبًا هو أن يحلق ذقنه!
لم أقتنِ يومًا شنطة باهظة الثمن أو من علامة تجارية مشهورة، رغم قدرتي على ذلك. ليس لأنني أرفض الترف، ولكن لأنني ببساطة لا أجد مبررًا لدفع عشرين ألف ريال مقابل حقيبة! ما الذي يميزها فعلًا عن غيرها؟ لا شيء سوى الشعار.
أما عن المكياج، فأنا مؤمنة تمامًا أنه لا فرق حقيقي بين ماركات الـhigh-end وتلك المتوفرة في الصيدليات (drug store). بل إنني أرى الثانية أفضل أحيانًا، بعد تجربتي لكليهما. ما تدفعينه غالبًا هو ثمن العلامة التجارية والتغليف، لا جودة المنتج.
أتمنى أن نبدأ الحديث عن هذه المواضيع بوعي أكبر. أن نتوقف قبل أي إجراء ونسأل أنفسنا بصدق:
هل أحتاجه فعلًا؟ أم أن المجتمع جعلني أشعر أنني بحاجة إليه؟ هل أفعله لأتقبل نفسي؟ أم لأجعل الآخرين يتقبلونني؟
المصادر:
Alsaati, A. A., Alhumaydhan, A. S., Alshammari, T., Albarrati, A. M., Alsanad, L., & Albinsaad, L. S. (2024). Exploring the Cultural Influences on Plastic Surgery Preferences and Practices amongst Saudi Arabian Women: A Cross-sectional Study. Journal of Advanced Trends in Medical Research, 1(1), 135–140. https://doi.org/10.4103/ATMR.ATMR_25_24
Addiction in cosmetic dermatology: An ethical call to action. Journal of the American Academy of Dermatology. https://www.jaad.org/article/S0190-9622(25)00327-5/fulltext
The picture is designed by Ege Islekelب


عزيزتي غيداء،
مقالك لم يكن عن التجميل فحسب، بل عن هشاشة المعنى نفسه. لقد صار الجمال سلعة، لا لأنه فقد قيمته، بل لأننا نحن فقدنا علاقتنا به.
في زمن نُعيد فيه تشكيل وجوهنا أكثر مما نعيد تشكيل أفكارنا، صار الجسد مشروعًا مستمرًا لإرضاء الآخر، لا مرآة للذات.
عمليات التجميل اليوم ليست عن الرغبة في أن نكون أجمل، بل عن الخوف من أن لا نُشبه ما يُملى علينا أن نكونه.
نُبجّل الجمال في الصور، ونذبحه في العيادات.
نُردد شعارات حب الذات ثم نحاصر كل ما فينا كل ما يشبه أنفسنا.
فهل نريد أن نكون جميلين؟ أم فقط أن لا نُطرد من لعبة القبول؟
التناقض أن الجمال كان يومًا وعدًا بالحرية، بالاختلاف، بالتفرد...
واليوم، صار قيدًا جديدًا، تقاس فيه قيمة المرأة بمدى قرب أنفها من "المثالي"، أو امتلاء شفتيها، أو عدد المرات التي أعادت فيها نحت
ربما ليست الجراحة التجميلية فعلًا تافهًا كما يبدو، بل مرآة معاصرة نرى فيها بوضوح ما نخجل من الاعتراف به:
أننا نعيش زمنًا لا يحتمل العيوب، ولا يقبل بالزمن، ولا يُسامح الوجوه التي لا تُشبه الصور.
ابدعتِ ، في انتظار مقالات أكثر بقلمك
ذكرني بمصطلح الضريبة الوردية، وحسب فهمي إنه الشركات توجه الكثير من دعاياتها للنساء بطريقة مختلفة وكثير منها فيه تسليع للمرأة وإنقاص من قيمتها بجعلها جسدا فقط دون روح أو عقل. نسأل الله الستر والعافية وأن يهدينا دائما للحق، وموضوع العمليات التجميلية أصلا من الناحية الشرعية لأسباب غير طبية طارئة لا يجوز.