ما الرجولة؟
سؤال بسيط في ظاهره، لكنه حين يُطرح بصدق، يكشف هشاشة كثير من المفاهيم التي نشأنا عليها.
فكثير مما يُروَّج على أنه “رجولة” لا يعدو كونه صورًا مشوّهة، مبنية على سيطرة فارغة أو خوفٍ متوارث من الضعف. ولهذا، من المهم أن نُعيد النظر في معنى أن يكون الإنسان “رجلًا”.
هناك تعريفان مشهوران لدى الغرب، وبدأ العرب في استخدامهما مؤخرًا. أذكرهما هنا كما يعرّفهما الغرب، رغم اقتناعي التام بأن مفاهيمهم وتعاريفهم لا تناسبنا، ولهذا كتبت هذا المقال لنُعيد نحن تعريف هذه المفاهيم بما يتناسب مع واقعنا ومجتمعنا.
الرجولة الهشّة:
مصطلح يُستخدم في السياقات النفسية والاجتماعية، ويصف نمطًا من الرجولة المبنية على تصورات سطحية أو مضطربة عن القوة والهوية الذكورية.
رجولة سهلة التهديد، تحتاج إلى إثبات مستمر، وغالبًا ما يظهر ذلك عبر الهيمنة، رفض الاختلاف، أو تضخيم الذات بشكل زائف.
الرجولة السامّة:
وهي مجموعة من السلوكيات والأعراف المفروضة على الرجل باسم “الرجولة”، لكنها تؤذيه وتؤذي من حوله.
تقوم على تمجيد العنف، قمع المشاعر، السيطرة على النساء، ورفض الضعف بأي شكل.
وبرأيي، جوهر المشكلة يبدأ من غياب تعريف ناضج لماهية الرجولة.
أتذكّر مقابلة للمفكر الراحل غازي القصيبي، حين سألته المذيعة:
“ما الذي يُضعف رجولية الرجل العربي؟”
فأجاب:
“الرجل العربي عنده ستين مشكلة. يعتقد أن رجولته مربوطة بشنبه، عصايته، بارودته، والناس يخافون منه أو لا. ما يحكي مع أولاده… هذه عقد تاريخية مترسّبة، لا علاقة لها بالرجولة. الذي يميّز الإنسان عن الحيوان أو الجماد هو الشعور بالمسؤولية. في ذهني، مقياس الرجولة هو شعورك بالمسؤولية. هل الإنسان المهمل لأولاده، وزوجته، وعائلته، وعمله، أقدر أسميه رجل؟بقدر ما يكون لدى الرجل التزام نحو عمله، وأصدقائه، وأهله، والإنسانية، بقدر ما يكون رجلًا. معيار الرجولة عندي هو الالتزام والمسؤولية.”
وأتفق معه تمامًا.
فالرجولة الحقيقية، بنظري، تبدأ من تحمّل المسؤولية والمبادرة. أن يشعر الرجل بمسؤولية تجاه أسرته، عمله، مجتمعه، بل وحتى الغريب في طريقه. أن يساعد دون أن يُطلب منه، فقط لأنه داخله إنسان يعرف ما له وما عليه.
أتذكّر في ذلك موقف النبي موسى عليه السلام، حين رأى فتاتين تحتاجان إلى المساعدة، فسقى لهما دون أن تطلبا. ثم تولّى إلى الظل، ولم ينتظر منهما جزاءً ولا شكورًا. هكذا تُجسَّد الرجولة الحقيقية في أفعال بسيطة، لكنها صادقة.
في المقابل، أتذكّر صديقة كانت تشتكي من أخيها الذي ينهار من مجرد تحرّك طرف عباءتها أو لونها، ويصل به الأمر إلى الشك في خروجها لصديقتها كما تدّعي. نفس الأخ هذا يتشوّف لنظرة من فتاة عابرة، ولا يسأل عن حال أخته، أو عن احتياجاتها. كل ما يهمه “أن تكون عبايتها مسكرة”، لأن رجولته في خياله معلّقة بطرف قماش.
وهنا تنطبق المقولة العامية: “ما يشك إلا اللي وراه بلاء”، أو كما قال المتنبي:
“إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءتْ ظنونُهُ
وصدّقَ ما يعتادُهُ من توهّمِ”
هذا المثال وغيره يجسدون مفهوم الرجولة الهشّة: رجولة ترتكز على مظاهر لا جوهر لها، وتنكسر أمام أول موقف يتطلّب تضحية أو مسؤولية حقيقية.
أما الرجولة السامّة، فضررها يبدأ منذ الطفولة، حين يُقال للولد: “لا تصيح، أنت رجال!”
أتذكّر شابًا أخبرني أنه في عزاء أحد أفراد عائلته، ظل متماسكًا طيلة اليوم، يُواسي الجميع، لكنه حين دخل غرفته، انهار بالبكاء.
تعاطفت معه كثيرًا، لأني أعلم أنني كامرأة أستطيع البكاء علنًا دون أن يُنتقدني أحد، أما هو لا. فالمجتمع لقّنه أن الرجل لا يبكي.
وأتذكّر طفلًا من العائلة كان يبكي بسبب خلاف بسيط، وبينما أنا أواسيه، قال لي:
“أنا زعلان مني لأني أبكي!”، قلت له: “ما فيها شي إنك تبكي، هذا طريقتك تعبّر فيها عن مشاعرك. مثل ما فلان يعبر بالغضب، وفلان بالصراخ، أنت تعبر بالبكاء، وهذا مو خطأ.”
مثل هذه الأفكار تربّي جيلًا يخجل من مشاعره، ويكبتها، ثم يُفرغها لاحقًا بطريقة مشوّهة: إمّا غضب، أو عنف، أو قسوة على الذات.
أثناء بحثي في المحتوى العربي عن الموضوع، وجدت مقابلة لأحمد الحارس، قال فيها:
“مجرد ما تعرفيلي إيه هي الست، فالراجل بالطبيعي هيعمل عكسها.”
قال هذا الكلام في سياق تفسيره لتعامل الرجل مع مشاعره.
صراحةً، لا أتفق. فالتعبير عن المشاعر يختلف باختلاف الشخصيات، وما يُمليه المجتمع، أكثر من كونه خلافًا بيولوجيًا بين ذكر وأنثى.
فأنا مثلاً قليلة البكاء، ولا أحب أن أبكي أمام الآخرين، لكن في الحالات القليلة التي بكيت فيها، أنقذني بكائي وأنتشلني من المشكلة كالشعرة من العجين، هنا لأول مرة أدرك امتيازاتي كامرأة!
وقد يتساءل البعض:
لماذا تكتب امرأة عن الرجولة؟
أولًا: لأن المرأة كثيرًا ما تتضرر من المفاهيم الخاطئة عن الرجولة.
وثانيًا: لأن كثيرًا من الرجال يتفادون الحديث عن هذه المواضيع خشية أن يُساء فهمهم أو يُنتقص منهم.
لا أكتب هذا الكلام من خيال أو مثاليات، بل لأنني عرفت في حياتي رجالًا يتمتعون بصفات نبيلة حقيقية، رغم أنهم غير مثاليين، ولا أحد مطالب بالمثالية.
وأؤمن أن كثيرًا من النساء يملكن هذه الصفات كذلك.
وأتذكّر مقابلة للباحث سليمان الناصر قال فيها:
“كلمة المروءة – وهي مرتبة أعلى من الرجولة – أصلها من لفظ (المرأة)، لأن الحد الأدنى من المعيار الأخلاقي لدى المرأة أعلى من الرجل.”
قد تتفق أو تختلف، فليس هذا مقام المقارنة بين الجنسين.
لكن في النهاية،
الرجولة ليست بالصوت العالي، ولا بالهيمنة، ولا بالتحكم…
بل بقدر ما يحمل الرجل من مسؤولية، ورحمة، ومبادرة، وشجاعة، وصدق.
المصادر:



قرأت مقالك بكل اهتمام، واستمتعت كثيرًا بطريقة تناولك للموضوع.
أعتقد أن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في صورة "الرجل " كما نرسمها، بل في حاجة المجتمع أصلاً لصناعة هذه الصورة ومحاولة فرضها على الجميع.
المؤسسة الأبوية الذكورية التقليدية على مر التاريخ استفادت طويلًا من هذا النموذج، لأنه يُنتج رجالًا
مأزومين، يسهل دفعهم نحو العنف أو التسلّط أو حتى الحروب. النموذج لا يُربّي رجالًا أحرارًا كما يُصور بل يعيد إنتاج نفس الهيمنة على من هم أضعف دون أي وعي سواء كانوا نساءً، أطفالًا، أو حتى رجالًا لا يشبهون هذا القالب.
الإشكال ليس فقط أن الرجولة في مجتمعنا أصبحت تُساوى بالقسوة، بل أنها فُصلت تمامًا عن بعدها الإنساني.
تم اختزالها في مزيج هش من العنف والكبرياء والإنكار و القهر، حتى صار كثير من الرجال يخجلون من لحظات ضعفهم أكثر مما يخجلون من ظلمهم .
ربما لا نحتاج فقط إلى تفكيك صورة الرجل العربي، بل إلى نزع القداسة عن مفهوم "الرجولة" ذاته. الإنسان رجلًا كان أم امرأة يجب أن يُربّى على النزاهة، والاحترام، والتعبير عن الذات دون خجل أو قيد.
مقال غني وذكي، شكرًا على هذا الطرح الواعِي عزيزتي غيداء،
كشخص يخالط الرجال بالمجالس كثيراً، اقدر اقول ان كلامك كله صح، فا الشيبان عندنا كيف يحكم ان الرجل الذي امامه مناسب لبنته او اخته؟ بأشياء ظاهرية لا تنفع ولا تفيد مثل طريقة كلامه استعمال مفردات معينة بنظرهم انها اكثر رجولة وانه راعي واجب وطليق لسان، هل طلاقة اللسان بالمجلس و الذبيحة الي ذبحها لهم كافية انهم يسلمون بنتهم له؟ للأسف ايه ومن هنا غسلت يدي من مجتمعنا وبنفس الوقت مقدر الوم الرجال الي فيه لأنهم نتيجة تربية متوارثة غبية وسيئة مثل كبت المشاعر والاهتمام بالمظهر الرجولي و المواجيب اكثر من كونك انسان عطوف مع اهلك و زوجتك