قد لا تكون هذه المقالة مليئة بالمعلومات، لكني أشارك بها تجربتي وبعض أحداث حياتي.
صرت خالة وأنا في السادسة من عمري! فأبن أختي هذا أصبح أخًا لي أكثر من ابن أخت، كوني أصغرهم فليس لدي إخوة أصغر مني.
بدأت علاقتي معه مضطربة قليلاً في البداية، على أنني كنت سعيدة جدًا بوجوده، لكن تمكنتني الغيرة، فهو أتى ليأخذ مكاني كالصغرى! فمرة سقط من الدرج، ومرة لا أعلم كيف انجرح، ودائمًا أنا المتهمة بهذه الحوادث كوني كنت ألعب معه! لا أتذكر صراحة أنني كنت أتعمد إيذاءه.
كونهم يعيشون في مدينة بعيدة عنّا، فلم أره إلا في الإجازات، لكني كنت أسعد بقدومه ونلعب سويًا. على أن لعبي لم يكن دائمًا بريئًا، فأتذكر فترة كنت أتلذذ بتخويفه، وكانت أمي توبخني على هذا الفعل، فهو ما زال طفلاً. كنا نلعب لعبة الغميضة، فأتخبأ في أكثر مكان مظلم وبعيد ويصعب عليه القدوم إليّ. يريد أن يمسكني لكنه خائف من القدوم، وكنت أضحك حينها كثيرًا غفر الله لي. المضحك أن شعره امتلأ شيبًا وهو في مقتبل العمر، ويذكرني ذلك بربطهم للخوف مع ظهور الشيب، وأتمنى أن لا يكون هذا السبب صراحة.
كبرنا الآن وأصبح الصغير الذي كان في حضني بالصور أطول مني بكثير. أشعر أن هيبتي تتبخر حين “أهاوشه” وأنا أنظر للأعلى. والحق إنه مهذب فلا أضطر أن أهاوشه كثيرًا. أتذكر شخصًا قال، حين عاش معي في الغربة لفترة بسيطة، إنه ينتظر متى نتشاجر، ولم يحدث ذلك. فهو، رغم محارشاته لي، يحترمني، وحين أزمجر غضبًا يسكت ويهدأ، فيذهب غضبي ويمر، على عكس ما يحدث حين يقوم الشخص باستفزازي بالردود إذا غضبت، فأغضب أكثر ونختلف أكثر.
وعلى عكسه تمامًا أخوه الأصغر. فنحن نمزح أحيانًا مع أختي أن تربيتها الصارمة انتهت على آخرهم، فهو ليس باحترام إخوته. لكن أحبه ويضحكني على عصبيته وردوده المستفزة، فهو ذكي وحنون جدًا. أتذكر مرة حين كنت مبتدئة بقيادة السيارة، فهو لا يكف عن قول الملاحظات وانتقاد قيادتي وكأنه خبير بها وهو لا يستطيع الوصول للفرامل! فقال لي: “بابا ما يسوق كذا”. فقلت له بضجر: “أنزلك الحين بنص الشارع وخل بابا يجي ياخذك!”
وعلى أنني لا أحب الأحضان، فهو يتميز بحبه لها. دائمًا حين يراني أول ما يقوم به هو حضني! حتى حين أستيقظ من النوم (وأكون وقتها بلا مزاج للتفاعل البشري) يأتي ليحضنني ويتحدث كثيرًا، فيقول: “أعرف مالك خلقي، لكن…” ويستهل بالحديث رغم أنه لا يحصل على أي تفاعل.
وأتذكر مرة كنت متعبة ونمت على الكنب في الصالة، فانتبهت وهو يحضر بطانية ليغطيني فيها ويقول: “اصص، غيداء نايمة”. ابتسمت وعدت للنوم.
أتذكر مرة كان يعاتبني ويقول: “أنتِ لا تحبيني، فتخرجين مع أختي ولا تخرجين معي”. والحق أنه صادق. لكني أخرج مع أخته لأننا نتقارب بالعمر ونتشابه في الاهتمامات؛ نذهب سويًا للتسوق أو للقهوة. أما هو فمختلف، فلن يستمتع بأنشطتي المعتادة، فيجب عليّ أن آخذه لما يحب كالألعاب وأنتبه له حينها، فلا يكون المشوار لي بل له.
لكني أجبته: “حسنًا، أين تريد الذهاب؟” فأجاب سريعًا: “ميني سو!” (لمن لا يعرف ميني سو فهو محل آسيوي يشتهر بأشيائه الكثيرة المختلفة وأهمها الألعاب).
قلت: “حسنًا، عندما يحين الوقت المناسب سنذهب”. ومن بعدها لا يكاد يراني حتى يسألني: “متى نروح ميني سو؟” ومع تكرار أسئلته أجبته مرة: “إذا قلت لي متى بنروح مرة ثانية ترى ما راح آخذك! عندي دوام ومشغولة، إذا جاء وقته بنروح”.
فحين اتفقنا على وقت ما، تفاجأت بقدوم أبناء أخي الآخرين. يا للورطة! فأنا، لحادثة سابقة، لا أستطيع أن آخذهم جميعًا إلى محل ألعاب. حتمًا سأخرج من هناك بانهيارٍ عصبيّ ورصيدٍ صفريّ.
فأخذته جانبًا وقلت له: “اسمع، إذا سألوك وين رايح قل لهم بروح لبيتنا أجيب شيء طيب”. وقالت لي أختي: “خليه يجيب ألعاب لباقي الأطفال”. فقلت له: “قل لهم إني اشتريت هذه الألعاب في وقت سابق”. اتفقنا وذهبنا لمحل الألعاب بعد تهديد مستمر: “لا ترفع ضغطي واسمع كلامي”.
سأرجع للأحداث التي تلت هذه القصة، لكن بعد أن أحدثكم لماذا زعمت أنني لن آخذهم جميعًا.
في مرة عندما كانوا أبناء أخي عندنا، ووجودهم قليل لعيشهم بعيدًا عنّا، شعرت بتأنيب الضمير لتقصيري كعمتهم. فأخذتهم جميعًا لمشوار بسيط لم ننزل من السيارة إلا لدقائق بسيطة. لكن أثناء انشغالهم، فالصغير لا يكف عن التحرك فهو يستطيع التخلص من حزام الأمان بسهولة لأنه اعتاد على “الكارسيت “ الذي بطبيعة الحال غير موجود بسيارتي. كان يتشاجر مع أخته بالخلف، والكبير بجانبي لا يكف عن التحدث. اصطدمت قليلاً بالرصيف، ففزعوا وظل كبيرهم يصرخ بأننا “سوينا حادث”! ومن توتري صرخت عليهم: “ما أبي أسمع صوت، اسكتوااا”. فسكتوا، وتذكرت حينها عندما تصرخ المعلمة بهذه الجملة فيسكت جميع الصف من الخوف. وصلنا للبيت بصمت، وذهبوا يركضون قائلين: “عمتي غيداء سوت حادث!” وأنا أوضح أنه ليس بحادث، بس رقينا الرصيف! وبعدها أعلنت توبتي بأخذهم جميعًا بالسيارة.
نعود لسالفة ميني سو. بعد مرور وقت طويل، وحين كنا جالسين في صالة المنزل والأطفال على أجهزتهم بالكنب، سمعت ابن أختي يقول لابن خاله: “أصلاً هذي الساعة شريتها يوم رحت مع خالتي غيداء وأنتم كنتم موجودين!” ذهلت وصرخت عليه: “ولد!! وش اتفقنا عليه!!” فأصلاً ابن أخي كان ساكتًا ولا يوجد أي سبب لقوله هذا، لكني أعلم أنه قالها محاولة لاستفزازه، لأنهم كثيرًا ما يتشاجرون، والأول يستشيط غضبًا بينما الآخر يستفزه بكل برود. فأجابني بكل برود: “أصلاً ماما قالت لي لا تكذب!” فأجبته: “أصلاً هو ما سألك!”
فابن أختي هذا يعرف بأنه كثير الكذب. وكنت أقول له: “أنت مثل الراعي الكذاب، فلا نصدقك سواء كنت كاذبًا أم صادقًا مهما حلفت!” وكثيرًا ما توبخه أمي لكثرة حلفانه.
أخذت حينها ابن أخي جانبًا وقلت له: “سآخذك لميني سو لحالك وجب هدايا لإخوانك، بس ذاك المستفز لا!” لكنه من حنيته قال لي هناك: “ خن نجيب له هدية، حرام”. فوافقت على مضض وأحضرنا له هدية.
أتذكر بالطريق سألني: “لماذا لم تأخذي إخوتي معي؟” فأجبته: “لأني لا طاقة لي بكم جميعًا”. فقال: “لكن أمي دائمًا تأخذنا سويًا بلا مشكلة”. فأجبته: “الأمهات غير. تشوف السوبر هيرو اللي تحبهم؟” فأجاب: “نعم”. قلت: “الأمهات كالأبطال الخارقين، فحين تصبح المرأة أمًا تأتيها قوة خارقة تستطيع بها تحمل كل شيء. أما أنا لست أمًا، فليست عندي هذه الطاقة”.
حينها أدركت أن الخالة لم ولن تصبح أمًا، فلا أحد يضاهي الأم مهما فعل.
أتذكر مرة طلبت مني أمي أن أحضر فول وتميس ومطبق للعشاء، فرأيت ابن أخي جالسًا على جواله. فقلت له: “تعال معي”. وهو يتحدث الإنجليزية غالبًا لعيشه بدولة غربية، فاسترجم كلامه بالفصحى: “إلى أين؟” فأجبته: “بنجيب فول وتميس”. قال مستغربًا: “ما هذا؟” أجبته: “عشاء”. فقال لي: “ممم لا يبدو ممتعًا، لن آتي”. فقلت له بضجر: “أقول بس تعال وانت ما تشوف الدرب!”
استغربت رده، لأن ابن أختي ذاك لا يراني مرتدية عباءتي حتى يهمّ بسؤال: “وين رايحة؟” فحتى لو أجيبه “قلعة وادرين”، سيأتي رده تلقائيًا: “بجي معك!”
والحقيقة أني أخذته معي حتى ينزل ليحضر العشاء، فأنا لا أحب النزول في هذه الأماكن. في محطتنا الأولى عند الفوال، كنت أكرر عليه الطلب حتى يحفظه، فهو لا يعرف ما هذا. وكنت أجيبه: “إذا شفته بتعرفه”. أعطيته مالاً، فسألني: “بكم هو؟” أجبته بمبلغ تقديري. نزل، وحين عاد سألته: “ماذا قال لك الموظف؟” فلقد رأيته يمازحه ويمسح على رأسه. قال: “لا أدري، فلم أفهم شيئًا مما قال”. قلت: “عشان لهجته؟” فهو كان سوداني الجنسية. قال: “ما هذا؟” فأجبته: “لا شيء”. فقال لي: “إنه أرخص بكثير من المبلغ الذي قلته”. قلت: “لا أعلم، فأنا أعطيتك تقديري”.
في محطتنا الثانية، مطعم المطبق، حين عاد أعطاني بقية الأموال. أخذتها، فقال لي وهو يخرج بقيتها من جيبه ضاحكًا: “لماذا لم تنتبهي أن المبلغ ناقص كثيرًا؟” فأجبته: “لا أهتم صراحة لبقية العشرات هذه”.
قال لي باستغراب: “أن الموظف اليمني رفض أن يأخذ بقية الأموال وقال لي أن أحتفظ بها”. قلت له: “هذا من كرم العرب، وكان يجب عليك أن ترفض، فهو أكثر حاجة بالأموال منك! العرب كرماء وليسوا مثل الغربيين الذين تعرفهم، يجب عليهم تقاسم الفاتورة بكل مرة، بينما العرب يتنازعون على من يدفعها”. قال لي ضاحكًا: “سأتظاهر بالدفع وأخرج بطاقتي، وحين يسبقني هو أمثل الحزن”. ضحكت وقلت له: “ما فيه فايدة!”
تكثر مواقف أبناء إخوتي، والآن جاء حفيد جديد بعد طول انتظار من آخر حفيد، ابن أختي ذو الشهر الواحد. أعاد لي شعور الخالة من جديد، فلقد حزنت على فراقه واشتقت له كثيرًا. وأطلب من أختي أن تصوره لي، فصورته وهي قائلة: “لابسين ملابس اللي جابتها خالته غيداء!”




يا الله استمتعت وأنا أقرأ المقال ، والله انك أفخم خالة بنظري
كلامك أخذني إلى المواقف التي بيني وبين بنات أخواتي وجعلني ألاحظ شيئًا أن هناك فتاة واحدة فقط أشعر بقرب حقيقي منها، ربما لأنها عاشت معنا منذ صغرها حتى كبرت فكبرت العلاقة معها بشكل عفوي وطبيعي حتى لمغادرتي من البيت لسفر او شيئاً تهرع إلي مسرعة تضمني وتبكي
أما البقية فالعلاقة ليست بذلك العمق، ونادرًا ما نلتقي وكلما التقينا شعرت وكأن علينا أن نجدد العهد القديم بيننا من جديد ونحاول إعادة ذلك القرب الذي يذوب مع الغياب ثم يعود مرتبكاً في أول اللقاء .